الشوكاني
493
فتح القدير
أهواءهم ) مستأنفة مسوقة لبيان أنه لو جاء الحق عل ما يهوونه ويريدونه لكان ذلك مستلزما للفساد العظيم ، وخروج نظام العالم عن الصلاح بالكلية ، وهو معنى قوله ( لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) قال أبو صالح وابن جريج ومقاتل والسدي : الحق هو الله ، والمعنى : لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكا لفسدت السماوات والأرض . وقال الفراء والزجاج : يجوز أن يكون المراد بالحق القرآن : أي لو نزل القرآن بما يحبون من الشرك لفسد نظام العالم . وقيل المعنى : ولو كان الحق ما يقولون من اتحاد الآلهة مع الله لاختلف الآلهة ، ومثل ذلك قوله " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " وقد ذهب إلى القول الأول الأكثرون ، ولكنه يرد عليه أن المراد بالحق هنا هو الحق المذكور قبله في قوله ( بل جاءهم بالحق ) ولا يصح أن يكون المراد به هنالك الله سبحانه ، فالأولى تفسير الحق هنا وهناك بالصدق الصحيح من الدين الخالص من شرع الله ، والمعنى : ولو ورد الحق متابعا لأهوائهم موافقا لفاسد مقاصدهم لحصل الفساد ، والمراد بقوله ( ومن فيهن ) من في السماوات والأرض من المخلوقات . وقرأ ابن مسعود " وما بينهما " وسبب فساد المكلفين من بني آدم ظاهر ، وهو ذنوبهم التي من جملتها الهوى المخالف للحق ، وأما فساد ما عداهم فعلى وجه التبع لأنهم مدبرون في الغالب بذوي العقول فلما فسدو فسدوا . ثم ذكر سبحانه أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ( بل أتيناهم بذكرهم ) والمراد بالذكر هنا القرآن : أي بالكتاب الذي هو فخرهم وشرفهم ، ومثله قوله " وإنه لذكر لك ولقومك " والمعنى : بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوه ، ويقبلوا عليه . وقال قتادة : المعنى بذكرهم الذي ذكر فيه ثوابهم وعقابهم . وقيل المعنى : بذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين . وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر " أتيتهم " بتاء التكلم . وقرأ أبو حياة والجحدري " أتيتهم " بتاء الخطاب : أي أتيتهم يا محمد . وقرأ عيسى بن عمر " بذكراهم " وقرأ قتادة - نذكرهم " بالنون والتشديد من التذكير ، وتكون الجملة على هذه القراءة في محل نصب على الحال ، وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير ( فهم عن ذكرهم معرضون ) أي هم بما فعلوا من الاستكبار والنكوص عن هذا الذكر المختص بهم معرضون لا يلتفون إليه بحال من الأحوال ، وفى هذا التركيب ما يدل على أن إعراضهم مختص بذلك لا يتجاوزه إلى غيره . ثم بين سبحانه أن دعوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليست مشوبة بأطماع الدنيا فقال ( أم تسألهم خرجا ) وأم هي المنقطعة ، والمعنى : أم يزعمون أنك تسألهم خرجا تأخذه على الرسالة . والخرج الأجر والجعل ، فتركوا الإيمان بك وبما جئت به لأجل ذلك ، مع أنهم يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا طلبته منهم ( فخراج ربك خير ) أي فرزق ربك الذي يرزقك في الدنيا ، وأجره الذي يعطيكه في الآخرة خير لك مما ذكر . قرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب " أم تسألهم خراجا " وقرأ الباقون " خرجا " وكلهم قرأوا ( فخراج ) إلا ابن عامر وأبا حياة فإنهما قرآ " فخرج " بغير ألف ، والخرج هو الذي يكون مقابلا للدخل ، يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك خرجا ، والخراج غالب في الضريبة على الأرض . قال المبرد : الخرج المصدر ، والخراج الاسم . قال النضر بن شميل : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال : الخراج ما لزمك ، والخرج ما تبرعت به . وروى عنه أنه قال : الخرج من الرقاب . . والخراج من الأرض ( وهو خير الرازقين ) هذه الجملة مقررة لما قبلها من كون خراجه سبحانه خير . ثم لما أثبت سبحانه لرسوله من الأدلة الواضحة المقتضية لقبول ما جاء به ونفى عنه أضداد ذلك قال ( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ) أي إلى طريق واضحة تشهد العقول بأنها مستقيمة غير معوجة ، والصراط في اللغة الطريق ، فسمى الدين طريقا لأنها تؤدي إليه . ثم وصفهم سبحانه بأنهم على خلاف ذلك فقال ( وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ) يقال : نكب عن الطريق ينكب نكوبا : إذا عدل عنه ومال إلى غيره ، والنكوب والنكب العدول والميل ، ومنه النكباء للريح بين ريحين ، سميت بذلك لعدولها عن المهاب ، وعن الصراط